إسرائيل في النبوة وكتاب الوحي

من هي إسرائيل ؟ ومن هو إسرائيل ؟ هل لا تزال مهمة إسرائيل اليوم كما كانت قديما ؟ أي وكالة سماوية ألقيت على كاهل إسرائيل قديما ؟ هل من شروط يجب توافرها في خاصة الله، الأمة المقدّسة ؟

يذهب الكثيرون سياسيّاً ودينيّاً مناحي عدّة في تصنيف دولة إسرائيل اليوم. ولا يزال قسم كبير من الطوائف المسيحيّة يخطّطون لدور هام تضطلع به هذه الدويلة صغيرة الحجم كبيرة الفعل في المجالين السياسي العالمي والديني كذلك. ولو بحثنا الأمر باستفاضة وتؤدة وبتجرّد إحقاقاً للحقّ وإزهاقاً للباطل، لوجدنا أنّ لله شروطاً بيّنة صارمة تحدّد المواصفات التي يجب أن تتوفّر في شعب الله المختار حتى يحظى بالبركات المشروطة مثل (( إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمرّدتم تؤكلون بالسيف )) (إشعياء 20:1).

فليس من المعقول أن يدّعي البعض بأنّهم مختارون من الله بسبب الانتساب العرقي لأبينا إبراهيم أو يعقوب أو موسى أو داود فحسب. فالله ليس عنده محاباة. (( يا إخوتي لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح ربّ المجد في المحاباة )) يعقوب 1:2.

وعندما قال أحدهم للرب يسوع .. هوذا أمك واخوتك خارجاً يطلبونك، قال يسوع: (( لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي )) (متى 12: 50) .

فمن غير المعقول أن يترك الله خاصّته تنال كلّ بركات السماء دون الالتزام بعمل مشيئته والاعتزال عن العالم وشهواته وخطاياه.

شروط الخصوصية:

(( فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي ، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ . فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ . وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً )) هذه الكلمات التي تكلّم  بها بني إسرائيل. خروج 5:19و6).

من الذي قاد كافّة المسيحيّين اللاحقين في إحلال التقاليد محلّ وصايا الله ؟

إنّ قادة اليهود الكبار الذين هم بمثابة زعماء الكهنوت ومعلّمي الناموس من الكتبة والفريسيّين والصدوقيين والهيروديين  هم الذين نعتهم الربّ يسوع بـ (( يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي )) و (( أبْنَاءِ إِبْلِيسَ )) و ((الْمُرَائِينَ )) و  ((الْقُبُورِ المبيّضة مِنَ الخَارِجَ )) .. قد ابتدعوا تقاليد تخالف تعاليم الكتاب المقدّس الصريحة وكانوا كما أشار الربّ يسوع يحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة وهم لا يمسّونها بأطراف أصابعهم. فكانوا يسخّرون الأمميّين بأن يطفئوا لهم السراج في يوم السبت ويتوهّمون بذلك أنّ خطيّة كسر السبت لا تُسجّل ضدهم بل ضدّ أولئك الغرباء .. وفرضوا على الناس فروض غسل الأيدي قبل الأكل بأن يصبّوا الماء من اليد اليسرى على اليد اليمنى وبالعكس سبع مرّات لكي يتطهرّوا قبل تناول الطعام .. ولما شكوا التلاميذ إلى يسوع قائلين (( لِمَاذَا يَتَعدّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ ، فَأنّهم لا يَغْسُلونَ أيديهم حينما يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ )) متى 1:15-3). (( فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ. يَا مُرَاؤُونَ حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ )) (متى 15: 6-9).

تحديد لشروط الامتيازات:

عاد الرب كثير الرحمة والرأفة طويل الروح ومجزل الإحسان ليذكّر بني إسرائيل بالشروط السابقة التي وُضعت لتجعلهم كهنوتاً ملوكيّاً، شعب اقتناء وأمّة مقدّسة فقال: (( إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمرّدتم تؤكلون بالسيف لأنّ فم الربّ تكلّم )) (إشعياء 20:1).

هل ثبت الشعب العبراني على العهد الذي قطعه مع الربّ عند سفح جبل سيناء ؟

بعدما أعطاهم الله الوعد بأن يكونوا خاصّته إن هم سمعوا لصوته وحفظوا عهده، جاء موسى ووضع قدّامهم وصايا الله التي هي دستوره الأزلي الأبدي ((فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا كُلُّ الأَقْوَالِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الرَّبُّ نَفْعَلُ )) (خروج 8:19). ولكنّهم ذهبوا وراء آلهة أخرى ولم ينعزلوا عن أهل العالم واختلطوا وتزاوجوا معهم فأعطوهم بناتهم وأخذوا فتياتهم زوجات لأولادهم ودخلت تدريجيّاً عبادة الأوثان وعاداتهم وتقاليدهم إلى المحلّة ومارس الشعب الشعوذة وذهبوا وراء العرافين والتوابع والسحرة وتحايلوا على طريقة تقديس السبت الذي كان علامة تقديس الربّ لهم، فاخترعوا (( سَفَر سبت )) وهو أنّهم يرتحلون يوم السبت لمسافة معقولة لبضع ساعات بأمتعتهم ودوابّهم ثم يجلسون ليستريحوا وليناموا قليلاً، بعدها يستأنفون السفر وبهذه الكيفية كانوا يخدعون أنفسهم ورؤساء الكهنة ويحاولون أن يخدعوا فاحص القلوب والكلى.

من هم أولاد إبراهيم ؟

كان اليهود يفاخرون بأنّهم أولاد إبراهيم وأنّهم بحسب النسب ورثة الملكوت، وأنّهم أحفاد يعقوب ومنهم الأسباط، فلهم الوعود والبركات والاشتراع ومنهم معلّمو الناموس وهم طاهرون بسبب فريضة الختان وأمّا الأممّيون فهم نجسون دنسون. إنّهم يعتبرون السامريين كالكلاب وبقيّة الشعـوب من الغلـف ولكنّ المسـيح له المجـد قال لهم ردّاً على تفاخـرهم وتعاليهم على الآخرين (( أنا عالم أنكم ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لكنكم تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي لأنّ كلامي لا موضع له فيكم. أنا أتكلّم بما رأيت عند أبي. وأنتم تعلمون ما رأيتم عند أبيكم. أجابوا وقالوا له أبونا هو ابراهيم. قال لهم يسوع لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ  )) (يوحنا 8: 37-39). (( يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ لَــنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ )) (متى 7:3-9). (( فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ )) (غلاطية 29:3).

رفض إسرائيل للرب:

(( إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه )) (يوحنا 11:1).

لقد قدّم الربّ يسوع مثلاً قائلاً : (( إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا ، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً وَبَنَى بُرْجًا وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ. فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ. فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي. وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ هذَا هُوَ الْوَارِثُ. هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ. فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ )) (متى 21: 33-39). وعندما وجّه إليهم السؤال الأهم قائلاً: (( فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ ؟ )) قالوا له (( أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا )) (متى 21: 40و41). في إجابتهم قد حكموا على أنفسهم بما يتحتّم على الله صاحب الكرم أن يفعل مع الكرّامين وهم الأمّة اليهودية التي أوكل إليها إنارة العالم وحمل رسالة الخلاص إلى المسكونة قاطبة. وفي العدد 42 يقول (( الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ )) وهذه الاستعارة تدلّ على رفضهم لصخرة خلاصهم وقد حاول الربّ يسوع المحبّ أن ينقذ خاصّته فنظر إلى مدينة داود المقدّسة (( أورشليم )) وخاطبها باكياً (( يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً )).

فكيف نتصوّر البقاء لأورشليم عاصمة للدولة العبرانية التي بغت على رب المجد نفسه حتى بعد ما رأوا بأمّ أعينهم الآيات العظيمة والأخلاق السامية الطاهرة ولمسوا الحياة المقدّسة الكاملة (( ولمّا جاء إلى وطنه كان يعلّمهم في مجمعهم حتّى بُهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوّات. أليس هذا ابن النجار. أليست أمّه تُدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا )) (متى 54:13،55).

رفضوه كملك عليهم:

عندما ألحّوا بلجاجة على النبي صموئيل حتى يجعل لهم ملكا كباقي الشعوب، استاء صموئيل من هذا التحوّل في ولائهم للربّ مليكهم وحزن لأنهم رفضوا مشورته. فقال له الربّ (( لم يرفضوك أنت بل إيّاي رفضوا حتى لا أملك عليهم )) (1 صموئيل 7:8).

كيف انتصر إسرائيل قديما في الحروب ؟

(( وقال الربّ لجدعون الشعب الذي معك كثير عليّ لأدفع المديانيّين بيدهم لئلاّ يفتخر عليّ إسرائيل قائلاً يدي خلّصـتني )) قضاة 2:7. (( كلّ من يلغ الماء بلسـانه كما يلغ الكلب فأوقفه وحده )) عدد 5. ومعلوم لجميعنا أنهم حملوا الجرار وأوقدوا فيها المشاعل وضربوا الأبواق هاتفين .. للربّ ولجدعون، فوقع رعب بين صفوف الأعداء فحاربوا واحدهم الآخر .. فالانتصار كلّه جملةً وتفصيلاً صنعه الربّ. وكذلك سقطت أسوار أريحا دون أيّ عناء أو مجهود بشري، بلا حرب أو ضرب. فقط يسير اثنا عشر رجلاً يمثّلون الأسباط يحمل واحدُُ منهم حجراً من مجرى نهر الأردّن تذكاراً. سبعة كهنة يضربون بالأبواق خلف تابوت العهد المقدّس يدورون مرّة كلّ يوم لستّة أيّام وسبع مرّات في اليوم السابع ويهتفون للربّ. وهكذا سقطت أسوار أريحا دون عناء أو مجهود بشري. فكيف تقارن هذه الانتصارات الإيمانيّة التي أنجزتها ذراع الربّ بالوسائل المحرّمة دولياً والمخلّة بالشرف والكرامة والقنابل والمدافع والصواريخ والرصاص الذي يفتك بطفل بريء بين ذراعي والده ؟!

جميع الشعوب خاصّته:

(( فيُعرف الربّ في مصر ويعرف المصريون الربّ .. ويضرب الربّ مصر ضارباً فشافياً فيرجعون إلى الربّ فيستجيب لهم ويشفيهم .. ثم يقول، مبارك شعبي مصر وعمل يديّ أشور وميراثي إسرائيل )) إشعياء 21:19،25.

(( القائل عن كورش راعيّ فكلّ مسرّتي يتمّم ويقول عن أورشليم ستُبنى وللهيكل ستؤسّس )) (إشعياء 28:44). (( هكذا يقول الربّ لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمماً وأحقاء ملوك أحلَّ لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تُغلق )) إشعياء 1:45.

بما أنّ بركات الله وامتيازاته مشروطة فقد فقدت اسرائيل هذه البركات والامتيازات بسبب رعونتها كدولة وكشعب وتمادوا في غيّهم وانحرافهم وعلاقاتهم بالأمم الوثنيّة، ولم تحفظ الوعود والعهود التي كانت قد أبرمتها مع الربّ خالقها وفاديها.

نقمة الرب على إسرائيل:

(( ثم عدتم ودنّستم إسمي .. ها أنذا أنادي لكم بالعتق يقول الرب بالسيف والوبأ والجوع وأجعلكم قلقاً لكلّ ممالك الأرض )) (إرميا 16:34).

(( لأنّهم دنّسوا أرضي، وبجثث مكرهاتهم ورجاساتهم قد ملأوا ميراثي )) (( هل يصنع الإنسان لنفسه آلهة وهي ليست آلهة لذلك هأنذا أعرّفهم هذه المرّة أعرّفهم يدي وجبروتي فيعرفون أنّ اسمي يهوه )) (إرميا 18:16،20،21). (( وتدنّسون يوم السبت )) (نحميا 17:13). بل أنّهم قد تمادوا بحقدهم وغدرهم وغلّهم على الربّ يسوع عندما قارعهم الحجّة بالحجّة عن أبيهم إبراهيم الذي تنكرّوا لمبادئه وإيمانه وأحاطهم علماً بأنّه كائن قبل إبراهيم فرفعوا حجارة ليرجموه (انظر يوحنا 59:8).

هل طعن اليهود في نسب المسيح ؟

(( قال لهم يسوع لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ وَلَكِنَّكُمْ الآن تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنا إنسان قد كَلِّمُكُمْ بالحقّ الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم )) (يوحنا 39:8-40). ثمّ أراهم بطلان ادّعائهم بالانتساب لإبراهيم ما داموا على النقيض من إيمانه وأعماله وتقواه.

وأردف قائلاً : (( أنتم تعملون أعمـال أبيكم. فقالوا له إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا . لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ )) (عدد41). وها هم يتوجّسون شرّاً ويظنون فيه سوء المنبت ويطعنون في نسبه وأصله.

من هم أولاد الله ؟

برفضهم ابن الله فقدوا البنوّة ولم يعد يسوع لهم الأخ البكر وانتفى نسبهم إلى الله الآب بل وفقدوا امتياز بنوّتهم لإبراهيم .. فالله قادر أن يقيم من الحجارة أولاداً لإبراهيم. وقد فقدوا تماماً انتماءهم إلى الله عندما لم يقبلوا ابنه المتواضع الوديع المحب المسالم. الذي لم تكن مملكته من هذا العالم والذي لم تجرِ في عروقه دماءُُ كدمائهم التي جُبلت على القتل والاغتيال والغيبة، وعندما رفضوه فتحوا المجال رحباً على مصراعيه للأمم فنالوا البنوّة الإلهية بدلاً منهم (( إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه )) (يوحنا 11:1). فإن كانوا هم من أساس الكرمة الحقيقية ولم يأتوا بثمر فلسوف يُقطعون ويلقون في النار وكل غُصن من الخارج يُطعّم في الكرمة يتثّبت في الأصل ويحمل ثمراً كثيراً. فليس لهم بعد حظوة عند الله ولا امتياز على أحد.

هل رفض الله إسرائيل كشعب مختار ؟

لقد حكم اليهود بأنفسهم على أنفسهم عندما سرد عليهم قصة الكرّام الذي سلّم كرمه إلى كرّامين فقتلوا ابنه وعبيده الكرّامين .. فاندفع غالبيّتهم دائنين لهؤلاء القتلة الجائرين وقالوا له (( أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا ، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا )) (متى 21: 41).

وبالرغم من ابتلائهم بويلات عديدة في السبي البابلي وفي أرض العبودية في مصر وعقابهم على يد الأشوريّين والأموريّين والكلدانيّين والآراميّين والفلسطينيّين والعمونيّين وغيرهم من الشعوب المجاورة، وبالرغم من تشتّتهم في شتى بقاع الأرض فقد وعدهم الله بضيقة عظيمة (( فهذا هو الكلام الذي تكلّم به الربّ عن إسرائيل وعن  يهوذا. لأنه هكذا قال الربّ صَوْتَ ارْتِعَادٍ سَمِعْنَا . خَوْفٌ وَلاَ سَلاَمٌ اسألوا وانظروا إن كان ذكرُُ يضع. لماذا أرى كلّ رجلٍ يداه على حقويه كما خض وَتَحَوَّلَ كُلُّ وَجْهٍ إِلَى صُفْرَةٍ ؟ آهِ لأَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ. وَهُوَ وَقْتُ ضِيق عَلَى يَعْقُوبَ )) (( إرميا 30: 6-7). ولكونهم قد استفادوا قديماً من بركات الربّ الروحية واعتبروا لله خاصّة من بين جميع الشعوب وأودع الربّ فيهم ثقته كشعب مختار، كهنوت ملوكي وأمّة مقدّسة فقد جاء أخيراً وقت إدانتهم للخيانة في حمل الأمانة (( لأنّه الوقت لابتداء القضاء مِنْ بَيْتِ اللهِ )) (1 بطرس 17:4).

إنّ الربّ يسوع جابه صلف بني إسرائيل وعجرفتهم وتقواهم المصطنعة وادعاءاتهم الكاذبة قائلاً : (( أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ. وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ )) (يوحنا 8: 44).

إكمال المعصية:

(( سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ )) (دانيال 24:9). من  حزقيال 6:4؛ عدد 34:14 نستخلص أن اليوم في النبوّة يمّثل مدّة سنة زمنيّة. لذا تكون المدّة المذكورة (( سبعون أسبوعاً أو 490 سنة من خريف 457 ق.م. وهي السنة التي أصدر فيها الملك أرتحشستا لونجيمانوس ملك فارس مرسوماً ببناء وترميم أورشليم فيصلُ بنا إلى خريف 34م. في هذه السنة رجم اليهود استفانوس الشهيد الأول للمسيحيّة الرسولية، وبهذه الفعلة الشنعاء أكملوا عصيانهم على الله وقديسيه. من تلك اللحظة خرج الرسول بولس وأعوانه للكرازة بالإنجيل للأمم وكرّس اليهود عصيانهم بهذا العمل المشين الذي صار عاراً على جبينهم بعد أن تآمروا على ربّ المجد وصلبوه وكنت ترى الأمم ينسكب عليهم الروح القدس بغزارة وينالون شتى المواهب الروحيّة.

هل كره الربّ عبادتهم ؟

(( بغضت كرهت أعيادكم ولست ألتذّ باعتكافاتكم. إنّي إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها )) (عاموس 21:5،22). عندما تكون الديانة صوريّة روتينيّة جوفاء تفقد معناها ومغزاها، فبدلاً من أن يشتمهّا الله كرائحة مسك، يمجّها ويمقتها كدم الخنزير. إلى هذه الدرجة كره الربّ ممارسات إسرائيل التي فقدت كلّ معنى. (( من يذبح ثوراً فهو قاتل إنسان، من يذبح شاةً فهو ناحر كلب. من يصعد تقدمة يصعد دم خنزير. من أحرق لباناً فهو مباركُُ وثناً. بل هم اختاروا طرقهم وبمكرهاتهم سرّت أنفسهم فأنا أيضاً أختار مصائبهم ومخاوفها أجلبها عليهم. من أجل أنّي دعوت فلم يكن مجيب تكلّمت فلم يسمعوا بل عملوا القبيح في عينيّ واختاروا ما لم أسرّ به )) (إشعياء 3:66،4).

عندما صرخ المسيح على الصليب قائلاً: (( قَدْ أُكْمِلَ )) (يوحنا 19: 30). وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين، أعلن الساهر القدوس أنّ الأمّة اليهودية قد رفضت ذاك الذي كانت كلّ رموزهم تشير إليه .. لقد طُلّق إسرائيل من الله وانفصل عنه. إذاً فنعّما فعل قيافا بتمزيق ثيابه الرسميّة كرئيس كهنة أعظم لأن تلك الثياب ما عاد لها معنى، لا له ولا للشعب. حسناً فعل رئيس الكهنة بتمزيق ثيابه من فرط الرعب على نفسه وعلى الأمّة (مشتهى الأجيال ص 669).

مصير القدس والهيكل

(( وتكون أورشليم مدوسةً من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم )) (لوقا 24:21).

كان دانيال بين المسبيّين اليهود في بابل، وكانت المدينة المقدّسة خربة بعد أن هدمتها جيوش نبوخذنصّر في سنة 586 ق.م. صلّى دانيال بلجاجة حتى يفتقد الله شعبه فجاء الملاك جبرائيل ليؤكد لدانيال أن المدينة المنهدمة والهيكل الخرب يُبنيان (( فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ )) (دانيال 9: 26).  وتمّ خراب أورشليم مجدّداً على يد تيطس سنة 70م.

ويثبت التاريخ أن هذه النبوات صحيحة وحدث منها في الماضي ما يؤكد حدوثها في المستقبل حتى آخر الأزمنة إلى أن يجيء المسيح. وستبقى المدينة مدوسة من أمم كثيرة. وتبع يهوذا طريق إسرائيل فأهلك الله مملكتهم أيضاً بواسطة بابل وبهذا الهلاك انتهى ملكوت الله على الأرض وإن لم تنتهِ سيطرته على الكلّ وظلّ ملكوته في قلوب الناس الذين أحبّوه وعبدوه كما قال المخلص (( لأن ملكوت الله في داخلكم )) (لوقا 21:17). وسمّى الرب الملك الذي سيطلقهم أحراراً قبل أن يولد، أي الملك كورش الفارسي، وإرميا الذي شهد خراب المدينة أفصح عن رجوعهم إليها، وتكلّم النبي حزقيال وهو نفسه بين المسبيّين عن رجوعهم الأكيد.

ولكنّ رجوعهم هذا وتجديد ملكهم لا يعني إعادة مجدهم، لا في المملكة ولا في الهيكل، حقيقة قد أوضحها حزقيال في قوله: (( وأنت أيها النجس الشرّير رئيس إسرائيل الذي قد جاء يومه في زمان إثم النهاية، هكذا قال السيد الربّ، انزع العمامة، ارفع التاج، هذه لا تلك، ارفع الوضيع وضع الرفيع منقلباً منقلباً منقلباً أجعله، هذا أيضاً لا يكون حتى يأتي الذي له الحكم فأعطيه إياه )) (حزقيال 25:21-27). وفي أيام السيد المسيح كان اليهود تحت السيطرة الرومانيّة واختاروا قيصر رومية دون مسيحهم حين قالوا: (( ليس لنا ملك إلاّ قيصر )) (يوحنا 15:19).

وفي زمن الملوك العشرة المنقّسمين عن الإمبراطورية الرومانيّة يقيم الله مملكة لن تنقرض (هذا هو الحجر الذي قطع بغير يدين) وملكها لا يترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كلّ هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد (انظر دانيال 44:2).

إن حالة القدس الشريف اليوم وموقف الأمم منها ومصيرها، وطمع إسرائيل في الاستيلاء عليها لدليل على أن (( أزمنة الأمم )) قاربت على الانتهاء. وينبغي لفت نظرنا إلى الحقيقة التي تقول بأنّ (( بيتكم يترك لكم خرابا )) انظروا هذا الهيكل (( لا يترك فيه حجر على حجر إلاّ وينقض )). هذه حالة المدينة المقدسة والقدس والهيكل إلى النهاية.